4 قراءة دقيقة
ليس كل دعم مأجورًا: عندما تتحول الصدقة إلى دعم وهمي

في عصر باتت فيه وسائل التواصل الإجتماعي تفتح أبواباً واسعة للدعم من خلال نقرات التفضيل والتعليقات ، لم يعد الأمر يتعلق فقط بمساعدة المحتاج، بل اصبح في بعض الاحيان يتحول إلى سلوك اندفاعي نابع عن عاطفة لحظية، تُصرف الأموال بِلا تحقيق أو تدقيق، حتى تُمنح لأشخاص مجهولي الهوية، لا يُعرف حالهم او مدى احتياجهم لها أصبح الكثيرون يُفضلون تقديم الدعم واستنزاف الأموال لأشخاص يظهرون على الشاشات لمجرد الإثارة أو المشاركة ، والأدهى من ذلك إن الأمر فقط للترفيه، متناسين بذلك الأوامر والالتزامات الشرعية التي وردت عن الصدقة وانها ذات مقصداً دينياً عظيماً، يتطلب أن تمنح لمستحقها الحقيقي وليس أن تصبح وسيلة لإرضاء الذات أو مسايرة المحتوى، وبذلك يغيب التوزان بين النية والعمل، وبين الدعم والتوجيه, وهو ما ينافي مقصد الصدقة وماجاء به من تحذير الإسلام عنه بشدة لقوله تعالى: “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا” [النساء: 5] وهذا توجيه صريح إلى ضرورة التثبت من أين تذهب الأموال، لأن المال أمانة، ولا يُعطى لمن لا يُحسن التصرف به. 

وفي الحديث الشريف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع…” وذكر منها: “وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه” [رواه الترمذي] فالإنفاق له تبعة، والمساءلة عنه تشمل موضع صرفه، لا مجرد النية خلفه وهذا النوع من الدعم، إن بدا في ظاهره كرماً ، إلا أنه في حقيقة الأمر قد يكون سلبياً لوجود أثر وهو أن المال يُمنح بلا وعي، فإنه قد يصل الى من يستغله في غير وجهه وربما يُستخدم في الباطل، أو قد يتحول إلى مصدر استرزاق لمحتالين يّدعون الحاجة، وبذلك يخرج المتبرع من كونه مأجورًا, ويصبح مشاركاً بغير قصد في تغذية سلوك خاطئ أو تمويل تصريفات لا أخلاقية. 
فيكون الأصل في الصدقة أن تكون خالصةً لله سبحانه وتعالى، تُفرج بها كربةً, أو تُسند بها ضعيفاً، وهذا لا يتحقق إلا حين يكون الدعم او العطاء واعياً، موجهاً، ومستنداً الى فحص، كما انه هذه الآية تحدد مصارف الزكاة والصدقة بدقة, وتبين أن التوسّع فيها لغير أهلها يُعد مخالفةً للمنهج الرباني. من هنا، يأتي دور التوجيه والتوعية. فبدلًا من توزيع المال على أفراد مجهولين أو في سياقات لا يُعرف صدقها، يمكن توجيهها إلى جهات موثوقة، مؤسسات خيرية معتمدة، أو حالات تم التحقق منها عبر قنوات رسمية. عندها فقط يمكن أن نضمن أنه لم يكن فقط صدقة، بل صدقة ذات أثر، تصل مستحقها وتحقق مقصدها.

الدعم مسؤولية، وليس مجرد تصرف عاطفي. وكل ريال يُدفع يحمل تبعته، فإما أن يكون في ميزان الأجر، أو – والعياذ بالله – في باب من أبواب الإعانة على الباطل. لذا، وجب أن نفكّر قبل أن نعطي، وأن نتذكّر دائمًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من دل على خير فله مثل أجر فاعله” [رواه مسلم]،والمقصود به أن توجيه العطاء للوجهة الصحيحة لا يقل أهمية عن العطاء نفسه. ليس كل عطاء مأجورًا… بل يؤجر ما كان خالصًا، صادقًا، ومستحقًا

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة