
زادت في السنوات الأخيرة ظاهرة التسول الإلكتروني، في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يثير تساؤل لدى البعض، عن الدوافع التي تقف وراء هذا النوع من التسول، والاساليب التي تستخدم لممارسته، وضحاياه من الفئات المختلفة، وطبيعة التأثيرات الناتجة عنه، ولمعرفة ذلك، أجرينا هذا التحقيق، مع أخصائيين في علم النفس والاجتماع، ومختصين في الأمن والقانون، ووثقنا بالإحصائيات حجم انتشار هذه الظاهرة وأشكال ممارستها، وقدمنا حلول ومقترحات للحد منها.
أشكال الممارسة
تتعدد أشكال ممارسة التسول الإلكتروني، فبحسب رصدنا لهذه الاشكال على منصات التواصل الاجتماعي من خلال تعليقات ومنشورات المتسولين، وجدنا أساليب متعددة ومتنوعة، فالبعض تدعي (أنها أم أرملة ولديها ثلاثة أطفال وتحتاج للمساعدة لكي تربي أبنائها، وأخرى تزعم أنها مصابة بالسرطان ولا تملك مال للعلاج، وهناك من يقدم طلبه بشكل مباشر، مثل أحتاج ٣٠٠ ريال، أريد تكاليف رمضان لأطفالي، وآخرين يقومون ببث مباشر بإظهار أبناء لهم مرضى أو منزل مهدوم). وبحسب المستشارة الأسرية (هدى الأحمدي) والحاصلة على ماجستير في الإرشاد الأسري فإن البعض يسرد عبر الفضاء الرقمي قصص إنسانية مُتقنة الحبكة، كمعاناة أحد الأبناء من مرض مزمن يستدعي تسديد فواتير علاجية باهظة، أو عبر رسائل بريدية مزعجة تُوهم المتلقي بوجود حالة طارئة تحتاج إلى المال لإنقاذ حياة، وفي زاوية أخرى من الفضاء الرقمي، يروي البعض قصصًا مختلقة داخل غرف الدردشة، مستغلين عفوية المتابعين، أو يلجؤون إلى منصات الألعاب، كغرف "البوكر" الإلكترونية، حيث يُستغل صندوق المحادثات في طلب نسب من أرباح اللاعبين. وتتابع الأحمدي كلامها بالقول (ومع تسارع تطور التكنولوجيا، لم يتأخر المتسولون في تسخيرها لمصلحتهم؛ فبإنشاء آلاف الحسابات الوهمية بأرقام وهمية، استطاعوا توسيع نطاق نشاطهم بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية، فهناك من يستخدم تارة تقارير طبية مزورة، وتارة أخرى مطالبات مالية متراكمة أو رسوم جامعية متأخرة).
الضحايا وفقا للإحصائيات الصادرة عن الجهات الأمنية في المملكة، فإن أكثر ضحايا ظاهرة التسول الإلكتروني، مراهقون وكبار في السن، وهو الأمر الذي أكده الاخصائي النفسي (سامح الشال) قائلا (يعتبر المراهقون وكبار السن أكثر عرضة لهذه الظاهرة، فالمراهقين قد يلجؤون إلى ذلك بسبب التأثر بمحتوى المشاهير الذين يجدون في التسول وسيلة للثراء السهل، أو بسبب التحديات المالية في الألعاب الإلكترونية، أما كبار السن، فقد يكون السبب شعورهم بالوحدة أو الحاجة إلى دعم مالي).
انتشار كبير
في استطلاع للرأي العام السعودي أجراه المركز الوطني لاستطلاعات الراي العام التابع لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، شمل (1136) من المواطنين من سكان المملكة، منهم 78% ذكور و22% إناث، يظهر الاستطلاع أن 48% تعرضوا للتسول الإلكتروني.

دوافع نفسية
ثمة أسباب متنوعة تدفع بالأشخاص المتسولين لممارسة التسول إلكترونيا، فمن وجهة نظر الاخصائي النفسي (سامح الشال) فإن فعل التسول قد يقوم به الشخص بوعي، أي يدرك تماماً كيفية استخدام الاستراتيجيات المعينة لكسب العاطفة وتحقيق مكاسب مالية، فيتعمد تزييف القصص أو المبالغة فيها، وبحسب كلام (الشال) قد يمارس التسول شخص بغير وعي أي يكون مدفوعاً باضطرابات نفسية، أو نشأ في بيئة تشجعه على الاعتماد على الآخرين، أو يعتقد فعلاً أن ما يفعله ليس تسولاً بل مجرد طلب للمساعدة. وأكد (الشال) أن الأسباب النفسية التي قد تقف وراء انتشار مثل هذه الظاهرة هي الكسل أو الاتكالية الذي يبرره المتسول بصعوبة الظروف الاقتصادية، فبعض الأشخاص قد يعانون من اضطرابات نفسية مثل اضطراب الشخصية الهستيرية، وبالتالي يمارسون التسول لجذب تعاطف المجتمع.

مشيرا إلى أن أحد الأسباب قد ترجع إلى وجود تاريخ من الحرمان العاطفي أو المادي للمتسول، فبعض الأشخاص يعانون من اضطرابات القلق أو الاكتئاب، فيلجؤون إلى ممارسة التسول كطريقة للتعبير عن مشاعرهم السلبية المكبوتة.
عوامل اجتماعية
أسباب هذه الظاهرة لا تقتصر على الجانب النفسي، بل تمتد لتشمل جوانب اجتماعية، فبحسب المستشارة الأسرية (هدى الأحمدي) والحاصلة على ماجستير في الإرشاد الأسري فإن من أبرز أسباب هذه الظاهرة من الناحية الاجتماعية، وجود الداعمين للمتسولين وبكثرة، وانتشار التعاطف معهم من أفراد المجتمع، فالبعض يصدق كل ما يعرضه المتسولون من أساليب، كادعائهم الفقر، والمرض. مضيفة: أن من ضمن هذه الأسباب، أن البعض يعتبر التسول مصدر دخل سهل وبسيط ولا يحتاج جهد ولا عناء، وللأسف أصبح التسول الإلكتروني نمط حياة لبعض الأشخاص، حيث يعتاد على الكسب بطريقة غير مجدية وغير مقبولة اجتماعياً، وكما نشاهد ونسمع أصبحت هذه الظاهرة مهنة من لا مهنة له. وتعتقد (الأحمدي) أن ضعف الروابط الأسرية وغياب الرقابة داخل الأسرة يسهمان إلى حد ما في انتشار هذه الظاهرة، وذلك حينما يكون رب الاسرة متسول، مؤكدة أنها واجهت حالات تتعلق بالتسول الإلكتروني داخل الأسرة، حيث وجدت زوجة تشتكي من زوجها بعدم ذهابه للعمل، حيث يلجأ للاعتماد على البث المباشر، من خلال استغلال مرض أبنائه الصغار، وبحسب كلامها فإن إحدى السيدات أيضاً اشتكت أن زوجها وصل به الحد إلى إجبارها على تسجيل مقاطع صوتية، وهي تبكي، وتدعي أنهم لا يجدون ما يقتاتون به من العيش والأكل، ويجبرها على أن تحلف أمام المتابعين على كتاب الله أن بيتهم لا يوجد فيه أي طعام. وأضافت الأحمدي أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة لا تعتبر عاملا رئيسيا لممارسة هذه الظاهرة، لكن البعض يعتبرها شماعة يعلق عليها سبب ممارسته لهذه الظاهرة، فيدعي أنه عاطل عن العمل، وهذا كلام غير صحيح في السعودية، ففرص العمل متوفرة بفضل الله تعالى، وما يجب عليهم هو البحث عن عمل والرضا بأي وظيفة توفر لهم مصدر دخل حلال بدلاً من سؤال الناس بهذه الطريقة، التي أصبحت منتشرة بكثرة.
تأثيرات كبيرة
الاضرار أو التأثيرات الناجمة عن هذه الظاهرة كبيرة وتطال الفرد والمجتمع، يؤكد الاخصائي النفسي (سامح الشال) أن التسول الإلكتروني له تأثيرات نفسية سلبية على الشخص الذي يمارسه، مثل تعزيز الشعور بالعجز والكسل، وتدني احترام الذات، خاصة إذا أدرك لاحقًا أن نجاحه في الحصول على المال لم يكن بسبب جهوده الحقيقية، كما أن طلب استعطاف الناس بشكل مستمر قد يؤدي إلى تبلد المشاعر، وفقدان القدرة على بناء علاقات اجتماعية صحية. بدورها ترى المستشارة الأسرية (هدى الأحمدي) أن للتسول الإلكتروني آثار كبيرة على الفرد والمجتمع، حيث يشجع على الكسل والسعي لكسب المال بطرق غير مشروعة، وابتكار أساليب وحيل قذرة من أجل كسب المال، كما يسهم التسول في إضعاف الثقة بين الأفراد والجمعيات الخيرية.

دور الأمن
عن دور الجهات الأمنية في ضبط المتسولين يوضح أحد رجال الشرطة فضل عدم ذكر اسمه أن الشرطة تستقبل الشكاوى الخاصة بالمتسولين، وتبدأ بتوثيقها وتجميع المعلومات والأدلة المتعلقة بالحادثة كالرسائل أو مقاطع الفيديو أو الروابط لتحديد هوية المتسول، وذلك بهدف التحقق مما إذا كان طلبهم للمساعدة حقيقيًا أم احتياليًا، من خلال علامات واضحة كعدم منطقية القصة أو غيرها من العلامات. موضحا أن مهمة الشرطة في مواجهة هذه الظاهرة تنتهي باتخاذ الاجراءات القانونية المناسبة ضدها، نافيا أن يكون للشرطة تعاون مع شركات التواصل الاجتماعي لحذف حسابات المتسولين، ولكن يوجد تعاون بين الشرطة ومراكز الأمن المعلوماتي، وذلك حينما يكون هناك بلاغات بالمتسولين. ونصح المواطنين بالإبلاغ عن حالات التسول الإلكتروني، الذي يعتبر من أسهل الطرق وذلك عن طريق تطبيق كلنا أمن أو بالاتصال على 911 للتبليغ بشكل مباشر، وبحسب تعبيره يجب على المواطنين التحقق عند تقديم المساعدة للآخرين من خلال الدخول على حسابات المنشآت والتحري عنها. ما عقوبة المتسولين في القوانين السعودية، توضح المحامية والمستشارة القانونية (حنين المحمدي) أن العقوبات القانونية التي تطبق على من يمارس التسول الإلكتروني تشمل غرامة مالية أو السجن، ومصادرة الأموال، وأحيانًا الترحيل لغير السعوديين، وتشمل هذه العقوبة كل من يروج للتسول الإلكتروني باعتباره مشاركًا بالجريمة.

مؤكدة أن في حال قام أحد الأفراد بالتبرع إلكترونيًا ثم اكتشف لاحقًا أنه تعرض للخداع، يحق له استرداد أمواله، من خلال رفع بلاغ للجهات الأمنية مثل الشرطة أو مكافحة الجرائم المعلوماتية، وإذا ثبت الاحتيال، يمكنه طلب استرداد أمواله ورفع قضية لتعويضه عن الضرر.
طرق المكافحة
وفي ظل انتشار ظاهرة التسول الإلكتروني، يطلب الجميع بضرورة الحد منها، حيث يؤكد الاخصائي النفسي (سامح الشال) أنه يجب على الجهات المعنية توعية المجتمع بمخاطر تقديم المال للأشخاص دون تحقق من حاجتهم الحقيقية، مع تشجيع ثقافة العطاء المسؤول من خلال المنظمات الخيرية الموثوقة، كما ينبغي تعزيز الوعي الرقمي من خلال مراقبة المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيق القوانين التي تمنع الاستغلال العاطفي في التسول الإلكتروني. ونصح (الشال) بضرورة تعامل المجتمع مع التسول الإلكتروني بمزيج من الوعي والدعم، بحيث يتم تثقيف الأفراد حول تأثيراته النفسية والاقتصادية، وتشجيعهم على البحث عن مصادر دخل جيدة بدلاً من الاتكال على الآخرين كما يمكن تقديم استشارات نفسية وتدريب مهني للأشخاص الذين يلجؤون إلى التسول الإلكتروني بدافع الحاجة، مع وضع برامج لدعم الفئات الهشة بدلاً من تركها تلجأ لهذه الوسائل الغير صحية. من جانبها ترى المستشارة الأسرية (هدى الأحمدي) أن للأهل دور كبير في الحد من هذه الظاهرة، من خلال عدم إظهار نماذج سيئة، لأنهم قدوة لأطفالهم، ويجب عليهم توعية أبنائهم بأهمية العمل والاستثمار فيما يعود بالنفع عليهم، وإذا ما اردو تقديم الصدقات وإعانة المحتاجين، فهناك العديد من الجهات الرسمية الموثوقة من خلال البنوك أو المؤسسات الخيرية والجمعيات المنتشرة في أنحاء المملكة. وختاماً فإن التسول الإلكتروني لم يعد ظاهرة عابرة، بل مشكلة تتطلب معالجة على المستوى الاجتماعي والقانوني، فالتعاطف غير مدروس سيسهم في تفاقم ظاهرة التسول، ولذا ينبغي توجيه الأفراد نحو طرق الكسب المشروعة، للمحافظة على كرامتهم، وفي الوقت ذاته ينبغي توعية المتبرعين والراغبين بعون المحتجين، على أن يكونوا حذرين عند تقديم عطاهم، حيث ينبغي عليهم التحري والتأكد من الجهة التي يقدمون لها تبرعات، بحيث يضمنوا أن يصل دعمهم إلى المستحقين الحقيقيين دون استغلال أو بخل.