
يشتكي معظم الآباء والأمهات اليوم من تعلق أبنائهم بالهواتف الذكية والادمان عليها إلى الحد الذي يجعل معظم الآباء يشعرون أنهم ينفقون أموالهم على اشخاص غرباء في منازلهم وليس أبناءهم، فقد صار الجيل الرقمي اليوم يتفاعل مع الحياة الرقمية أكثر من تفاعله مع والديه ومع الحياة الواقعية والحقيقية، ولا يجد الأباء والأمهات حيلة سوى الوقوف في حيرة مكتوفي الإيادي لا يعرفون ماذا يفعلون تجاه هذا الإدمان الرقمي الذي تفشت منه عدة ظواهر دخيلة على المجتمع والتسول الالكتروني من خلال البثوث والتغيب الدراسي ومضاعفات الإدمان على الإنترنت.
العالم الافتراضي
لو أن جدي، رحمه الله، بعث من قبره ودخل أحد "الكوفيهات" الفاخرة في بالمدينة المنورةاليوم، لظن أنه هبط في كوكب غريب، خصوصا حين يحدق بذهول في شاب يرتدي الثوب والشماغ، لكن وجهه مدفون في جهاز غريب يشع ضوءاً أزرق، والشاب يصرخ فجأة: "وصلت المليون فولور!"، ثم يعود لضرب الشاشة بأصابعه كأنه يؤدي طقساً سحرياً غريباً، هذا ما كتبه الكاتب السعودي ابو وليد الفوزان مستغربا من مدى العالم الذي نحن فيه والادمان الرقمي الذي تغلغل في بيوتنا..
ليس المشهد تخيليا فهو واقعا حاضرا، فوفقاً لأحدث الإحصائيات، يقضي السعودي مثلاً في المتوسط 3 ساعات وبضع دقائق يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما وصل عدد المستخدمين في المملكة إلى ما يعادل 94.30% من السكان! أي أننا أمام ظاهرة "القطيع الرقمي" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
الإدمان والتأثير العقلي
إن إدمان الأطفال للأجهزة الإلكترونية، أخطر من إدمان الكبار عليها، إذ تبدا عملية غسيل مخ الاطفال من أول وهله يأخذ فيها الاجهزة الذكية في وقت مبكر من عمره فلا يهدأ إلا عند لمسها ورؤية اشعتها، وبدونها يظل غريبا مصابا بحالة توحد.
تقول الدكتورة نداء الخميس ،مختصة في التربية الصحية : تتم عملية غسيل الدماغ للأطفال من خلال المشاهدة الرقمية للرسوم المتحركة في الآونة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى فالأهل مشغولون بأنفسهم وتلك المشاهد تروج لهم بحركات تجعلهم مزروعون بشريحة الإدمان الرقمي المبكر.
تقول نداء " ابني يبلغ من العمر الان عشر سنوات، وهو مدمن بمتابعة التيك توك ومقاطع الريلز التي أكسبته ثقافة توحد كبيرة، هو محقون بهوس المشاهدة لكل ما تنشره تلك البرامج والالعاب الإلكترونية وهذه السموم تهدم القيم الإسلامية والعادات الاجتماعية.
عبدالرحمن القاسم، مدير مكتبة يبلغ من العمر 45 عام، يقول : انتشرت ظاهرة التسول الرقمي من قبل أطفال من ابناء جلدتنا وفي مجتمعنا للأسف الشديد، فكثيرا ما اتصفح هاتفي واجد مقاطع تسول في التيك توك واليوتيوب والانستجرام والفيسبوك، وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي.
"أحمد الجهني " عضو اللجنة الأمنية في الشورى يقول : " المتسولين على الإنترنت هم اكثر من يدعمون العصابات والارهاب ويغسلون الاموال ويتاجرون بالبشر وبالمخدرات".
واخطر من التسول هو عمليات الاحتيال الرقمي، اذ يقول "الجهني" : هناك طرق احتيال جديدة، وهي واحدة من أقذر أساليب الاحتيال مؤخرًا، هناك قروبات في منصات التواصل الاجتماعي تعرض عليك تخفيضات على فاتورة الكهرباء، الجوال، أو حتى المخالفات المرورية وغيرها..وهولاء لا يختلفون عن المتسولين رقميا، وجميعهم بسبب تغيب الرقابة الأسرية.
البثوث الرقمية وغياب الرقابة
من مضاعفات التغيب الأسري والرقابة الأسرية على الأبناء هو تفشي ظاهرة " الإدمان البثوث" كأحد التحديات الاجتماعية التي تتطلب اهتمامًا كبيرا من الأسرة والمجتمع والدولة.في هذا السياق، أشار "الدكتور سعيد العتيبي"، وهو استشاري نفسي، إلى أن "البثوث" هو نتيجة واضحة مباشرة لعدم وجود تواصل فعّال بين الأسرة والأبناء".
وأضاف العتيبي "عندما تغيب الرقابة الأسرية عن حياة أطفالهم، يتجه هؤلاء إلى منصات البثوث كوسيلة للهروب من الواقع ووصولاً إلى الإدمان، وهو ما يزيد من احتمالية انزلاقهم في سلوكيات غير صحية".
فيما، أكدت السيدة فاطمة اليوسف، خبيرة اجتماعية، أن "غياب الرقابة الأسرية يساهم بشكل كبير في تفشي هذه الظاهرة، فالأهل يجب أن يكونوا أكثر معايشة لأبنائهم، وأن يراقبوا المحتوى الذي يتعرضون له بشكل يومي".فيما تشير العديد من التقرير المختصة في الصحة النفسية أن "حقين البثوث" ليست مجرد مسألة تكنولوجية، بل تمثل انعكاسًا لغياب القيم الأسرية والتواصل الأسري بين الآباء والابناء لضمان بيئة صحية تساعد أبنائهم على النمو بشكل سليم.
الاستغلال الرقمي للأطفال
إلى جانب ظاهرة التسول الإلكتروني، يشكل استغلال الأطفال وابتزازهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي خطراً متزايداً في المملكة، حيث يلجأ بعض الأفراد والجماعات إلى استخدام أساليب احتيالية تستهدف الأطفال والمراهقين، مستغلين قلة وعيهم التقني وعدم وجود رقابة كافية من الأهل، وتتنوع أشكال هذا الاستغلال بين الاستدراج العاطفي، والتهديد بنشر صور أو معلومات شخصية، وصولاً إلى إجبار الضحايا على القيام بأفعال تخالف القيم الدينية والأخلاقية.
في هذا السياق، أوضحت المستشارة الاجتماعية في المدينة المنورة، الدكتورة هناء المحمدي، أن "ضعف الرقابة الأسرية وغياب التوعية السليمة يجعل الأطفال أكثر عرضة للاستغلال الرقمي، حيث يتم استدراجهم بسهولة من قبل المجرمين الإلكترونيين الذين يتقنون فنون الخداع والإقناع عبر المنصات الرقمية"، وأضافت: "يجب على الأهل تعزيز الحوار المفتوح مع أبنائهم، وتوعيتهم بمخاطر مشاركة المعلومات الشخصية أو التعامل مع الغرباء في الفضاء الرقمي، إضافة إلى أهمية تفعيل أدوات الرقابة الأبوية لحمايتهم من المحتوى الضار والاستغلال الإلكتروني".
وأشارت الدكتورة هناء إلى أن "التعاون بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والاجتماعية أمر حتمي للحد من هذه الظواهر الخطيرة، وينبغي تعزيز دور الجهات المختصة في التوعية بجرائم الاستغلال الإلكتروني، مع فرض عقوبات صارمة على المتورطين في هذه الممارسات".
الأسرة وتوجيه الأبناء
وفي ظل تزايد القلق حول تأثير الأجهزة الرقمية على الأطفال، يؤكد الباحث الاجتماعي بمركز حماية الطفل في وزارة التنمية الاجتماعية" زكريا أحمد" على أهمية تفعيل الرقابة الأسرية منذ السنوات الأولى من عمر الطفل، مشيرا إلى أن "تربية الأبناء لا تقتصر على الجانب المادي فقط، بل تتطلب جهدًا كبيرًا لتحقيق نتائج إيجابية في سلوكهم".
كما أوضح أحمد أن الرقابة يجب أن تكون متوازنة، بعيدًا عن التعنت أو التفريط، مع ضرورة إيجاد مهارات الحوار والتواصل مع الأبناء، وأن تكوين رقابة ذاتية لدى الطفل يمكن أن يساهم في حمايته من السلوكيات السلبية المستمدة من المجتمع أو وسائل التواصل الاجتماعي".
في نفس السياق، أكدت السيدة سماهر سيف اليزل، مستشارة اجتماعية في المدينة المنورة، أن "استقرار الأسرة وترابطها يلعبان دورًا حاسمًا وقويا في تعزيز الرقابة على الأطفال وتأمين حياتهم التربوية".
قوانين وعقوبات
لمواجهة الظواهر الرقمية التي تهدد الأسرة السعودية، فقد شددت المملكة العربية السعودية قوانينها لمحاربة التسول، سواء كان تقليديًا أو عبر الإنترنت، إذ حذرت النيابة العامة من أن التسول بجميع أشكاله، بما في ذلك التسول الرقمي عبر الإنترنت، يعد جريمة يعاقب عليها القانون. حيث تصل العقوبة إلى السجن لمدة سنة، أو غرامة تصل إلى 100 ألف ريال، أو كلاهما معًا، كما تُضاعف العقوبات في حال تكرار الجريمة، وفقًا لما ينص عليه نظام مكافحة التسول الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/4) لعام 1443هـ.
إضافة إلى ذلك، يعاقب كل من يمارس التسول المنظم أو يدير شبكات للتسول بعقوبات أشد تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات وغرامة تصل إلى 500 ألف ريال.وعن إهمال الأطفال وانقطاعهم عن التعليم أكدت النيابة العامة أن إهمال الوالدين في توفير بيئة تعليمية مناسبة لأطفالهم، أو السماح لهم بممارسة أنشطة قد تؤثر سلبًا على تعليمهم، يُعد من صور الإيذاء والإهمال التي تستوجب المساءلة القانونية.
في النهاية، نحن نعيش في عصر تحكمه التكنولوجيا، لكن الفرق بين الاستفادة منها والانقياد وراءها يكمن في الوعي والإدراك، حيث تؤكد تصريحات الخبراء أهمية الرقابة الأسرية كوسيلة فعالة لحماية الأطفال من تأثيرات الإدمان الرقمي، مما يستدعي من الأهل اتخاذ خطوات جادة لتعزيز التواصل والرقابة الهادفة.
ختاما يمكن القول الإدمان الرقمي بات يشكل خطرًا على الأطفال، مما يستدعي دورًا فاعلًا للأسرة في تحقيق التوازن بين العالم الافتراضي والواقعي، الرقابة الأسرية لا تعني التقييد، بل بناء علاقة قائمة على الحوار والتوعية بمخاطر الإنترنت والاستغلال الرقمي،يجب على المدارس دمج مفاهيم التربية الرقمية، إلى جانب ضرورة تشديد القوانين لمكافحة التسول الإلكتروني والابتزاز، لكن الحل الأهم هو توفير بدائل حقيقية للأطفال عبر تشجيعهم على ممارسة الرياضة والهوايات والتفاعل الاجتماعي. التكنولوجيا ليست العدو، بل الاستخدام الواعي لها هو ما يصنع الفرق بين أن تكون وسيلة تطوير أو فخًا للإدمان.
