14 قراءة دقيقة
التسول الالكتروني بين الطرقات وعبر المنصات …. المتاجرة بالقضايا الإنسانية

مؤخراً انتشرت ظاهرة تستهدف عواطف ومشاعر المجتمع وتظهر على منصات التواصل الاجتماعي بأشكال مختلفة كالتي تظهر في التعليقات (أنا أم أرملة لدي ثلاثة أطفال وأحتاج المساعدة لكي أربي أبنائي) أو (أنا مصابة بالسرطان ولا أملكما يكفيني للعلاج) أو كالطلب بشكل المباشر مثل (أحتاج ٣٠٠ ريال أريد مؤونة رمضان لأطفالي) أو عبر البثوث المباشرة بإظهار الابناء المرضى أو المنزل المهدوم أو صعوبة العيش كالثلاجة الفارغة أو الأثاث المكسور، وتعددت الطرق والظاهرة واحدة وهي (التسول الإلكتروني) والتي تظهر عن طريق طلب المال والمساعدات المادية من الناس بهدف استجداء عطفهم بغض النظر عن صدق المتسول أو كذبه، وفي هذا التحقيق سنتحدث مع أخصائي نفسي ومستشارة اسرية وشرطي ومحامية في محاولة للتصدي لهذه الظاهرة.  

الأسباب النفسية للشخص المتسول إلكترونياً

وفي حديث مع الاخصائي النفسي سامح الشال الحاصل على ماجستير في الصحة النفسية  أخبر أن فعل التسول قد يقوم به الشخص وعياً به أي يدرك تماماً كيفية استخدام الاستراتيجيات المعينة لاستدرار العاطفة وتحقيق مكاسب مالية، وقد يتعمد تزييف القصص أو المبالغة فيها، أو قد يستخدمه الشخص بغير وعي أي يكون مدفوعاً باضطرابات نفسية، أو نشأ في بيئة تشجعه على الاعتماد على الآخرين، أو يعتقد فعلاً أن ما يفعله ليس تسولاً بل مجرد طلب للمساعدة.وأن الأسباب النفسية التي قد تدفع إلى انتشار مثل هذه الظاهرة كالحاجة إلى شد الانتباه والرغبة بالشعور بالتقدير والاهتمام، أو الرغبة في كسب المال بسهولة دون مجهود، وقد تكون بسبب الكسل أو الاتكالية الذي يبرره المتسول بصعوبة الظروف الاقتصادية, وبعض الأشخاص قد يعانون من اضطرابات نفسية مثل اضطراب الشخصية الهستيرية والذي يجعل من يعاني منه إلى السعي لجذب التعاطف بأي وسيلة كانت. 

وأضاف الشال إلى أنه قد تكون أحد الأسباب وجود تاريخ من الحرمان العاطفي أو المادي، وبعض الأشخاص يعانون من اضطرابات القلق أو الاكتئاب قد يلجؤون إلى هذه الممارسة كطريقة للتعامل مع مشاعرهم السلبية المكبوتة.

تأثيرات نفسية على من يمارس الظاهرة

و يمكن أن يسبب التسول الإلكتروني تأثيرات سلبية على نفسية على الشخص الذي يمارسه، مثل تعزيز الشعور بالعجز والكسل، وتدني احترام الذات، خاصة إذا أدرك لاحقًا أن نجاحه في الحصول على المال لم يكن بسبب جهوده الحقيقية.

 كما أن طلب استعطاف الناس بشكل مستمر قد يؤدي إلى تبلد المشاعر، وفقدان القدرة على بناء علاقات اجتماعية صحية, وفي بعض الحالات، يمكن أن يشعر بالإحباط عندما يكشف أمره أو يتعرض للإنتقادات.

 وتابع الشال إلى أن هناك علاقة واضحة بين البطالة أو الفشل المهني والتسول الإلكتروني، حيث يمكن أن تدفع البطالة طويلة الأمد البعض إلى البحث عن طرق سهلة للحصول على المال، خاصة إذا لم يكن لديهم مهارات تتيح لهم دخول سوق العمل مجدداً, بسبب الفشل المهني المتكرر فقد يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة بالنفس، مما يجعل بعض الأشخاص يلجؤون إلى التسول الإلكتروني كوسيلة لتعويض إحباطاتهم، ومع ذلك، ليس كل متسول إلكتروني عاطلاً عن العمل، فهناك من يمارسه رغم امتلاكه دخلاً لكنه يفضل استغلال تعاطف الآخرين لتحقيق مكاسب إضافية.

 الفئات الأكثر عرضة للظاهرة

 ويرى الشال أن المراهقون وكبار السن أكثر عرضة للظاهرة، لكن لأسباب مختلفة. فالمراهقين قد يلجؤون إلى ذلك بسبب التأثر بمحتوى المشاهير الذين يظهرون الثراء السهل، أو بسبب التحديات المالية في الألعاب الإلكترونية، أما كبار السن فقد يكون السبب شعورهم بالوحدة أو الحاجة إلى دعم مالي بسبب عدم وجود مصدر دخل ثابت يكفيهم.  

طرق لمكافحة الظاهرة  

وأشار الشال لمكافحتنا لهذه الظاهرة يجب علينا توعية المجتمع بمخاطر تقديم المال للأشخاص دون تحقق من حاجتهم الحقيقية، مع تشجيع ثقافة العطاء المسؤول منخلال المنظمات الخيرية الموثوقة، كما أن نعزز الوعي الرقمي من خلال مراقبة المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيق القوانين التي تمنع الاستغلال العاطفي في التسول الإلكتروني يمكن أن تحد من انتشار هذه الظاهرة.

ونصح الشال بضرورة تعامل المجتمع مع التسول الإلكتروني بمزيج من الوعي والدعم، بحيث يتم تثقيف الأفراد حول تأثيراته النفسية والاقتصادية، وتشجيعهم على البحث عن مصادر دخل جيدة بدلاً من الاتكال على الآخرين كما يمكن تقديم استشارات نفسية وتدريب مهني للأشخاص الذين يلجؤون إلى التسول الإلكتروني بدافع الحاجة مع وضع برامج لدعم الفئات الهشة بدلاً من تركها تلجأ لهذه الوسائل الغير صحية.         

وفي حديث مع المستشارة الأسرية هدى الاحمدي الحاصلة على ماجستير في الإرشاد الأسري ذكرت إن من أبرز الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى التسول الإلكتروني إن لم تكن أقواها وجود الداعمين لهم وبكثرة وانتشار التعاطف في المجتمع بحيث يصدقون كلما يعرض في وسائل التواصل وخاصة من ينتحلون اسماً وهمياً ويدعون الفقر ، المرض والحاجة ويعتبرونها مصدر دخل سهل وبسيط ولايحتاج جهد ولا عناء واعتادوا المكوث في منطقة الراحة .

وللأسف أصبح التسول الإلكتروني نمط حياة لبعض الأشخاص والكسب بطريقة غير مجدية وغير متقبلة اجتماعياً كما نشاهد ونسمع أنها أصبحت مهنة من لا مهنة له لذا لابد من وضع حدود كيلا تنتشر الظاهرة بين الشباب والفتيات فيعزفون عن العمل ويأخذون الطريق الأسهل للراحة والكسل مثل التسول الإلكتروني.

أثر التسول الإلكتروني على الفرد والمجتمع

 ترى الاحمدي أن للتسول الإلكتروني آثار كبيرة على الفرد والمجتمع فهي تدعو للكسل وكسب المال بطرق غير شرعية حتى وإن كان أصحابها من يدفعون المال برضاهم إلا أن فيها خداع كبير جدا وإيهام الطرف المتعاطف بانه يبني بيت ينهدم وهو خلاف ذلك تماماً كما انه يساهم في انتشار العزوف عن العمل والبحث عن المال بشراهة وعدم القناعة والاستزادة من التسول بطرق مقززة للغاية منها مايؤدي إلى السفور وترك الحجاب والخصوصية العظمى من اجل كسب هذا المال وخاصة إذاكانت المتسولة فتاة او سيدة .

 فئات تستغل الظاهرة

 وترى الاحمدي أن هناك فئات تستغل هذه الظاهره بشكل كبير فهناك من يعرض صورة ابنه المريض او زوجته او والدته وهناك من يجعلهم يشاركون المحتوى بهدف التسول ويجدون الدعم إلى حد كبير يصل إلى آلالاف الريالات في اليوم الواحد إلى أن أصبحوا يستغلو مشاعر الأشخاص للحصول على مبتغاهم خاصة أن مجتمعنا متعاطف بشكل كبير وتغلب عليه الرفق والمحبة والنخوة وحب الفزعة للآخرين.

وأضافت الأحمدي أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة ليس من العوامل الرئيسية وراء هذه الظاهرة انما هي شماعة يعلق عليها كل عاطل عن عمل الفرص متوفرة بفضل الله تعالى لذلك يجب عليهم البحث عن عمل والرضا بأي وظيفة توفر لهم مصدر دخل حلال بدلاً من سؤال الناس بهذه الطريقة حيث أصبح انتشار هذه الظاهرة يدعو إلى وقفة مهمة من قبل المسؤولين ويجب محاسبة من يتسول بهذه الطريقة خاصة محتالاً ليس بحاجة لهذه المساعده فهناك قنوات كثيرة يمكن للشخص المحتاج من خلالها تسديد ديونه واخذ قروض وإعانة لكن بطرق رسمية سهلة وميسرة. 

غياب الرقابة الأسرية يسهم في انتشار الظاهرة 

تعتقد الأحمدي إلى حد ما أن ضعف الروابط الأسرية وغياب الرقابة داخل الأسرة يسهمان في انتشار هذه الظاهرة والمصيبة العظمى إن كان من يقوم بالفعل رب الأسرة فكيف ستكون شيم أهل البيت ؟ وقد واجهت حالات تتعلق بالتسولالإلكتروني داخل الأسرة فنجد أن الزوجة تشتكي من زوجها بعدم ذهابه للعمل رجلو يعتمد على البث المباشر واستغلال مرض أبنائها الصغار وإحدى السيدات أيضاًتشتكي أن زوجها وصل به الحد إلى إجبارها على تسجيل مقاطع صوتية لها وهيتبكي وتقول حالنا ميسور وهو يدعي اننا لا نجد ما نأكله وقد يجعلها تحلف أمامالمتابعين على كتاب الله ان البيت لايوجد به طعام !!

وأضافت الأحمدي أن للأهل دور كبير حيث يقع العبء الأكبر عليهم في معالجة ظاهرة التسول الإلكتروني من خلال عدم إظهار هذه النماذج كقدوات لأطفالهم ومتابعتهم والتأسي بهم وتصديقهم في كل الأحوال لذلك يجب نشر الفكر الثقافي والوعي المالي لأبنائهم في الاستثمار فيما يعود بالنفع عليهم وإن كان يريد الصدقة والتصدق بماله فهناك العديد من الجهات الرسمية الموثوقة من خلال البنوك أو المؤسسات الخيرية والجمعيات المنتشرة في أنحاء المملكة وفي النهاية فالصدقة تطفىء غضب الرب إن كانت تعطى للمستحق حقاً وخاصة الأقارب فهم أولى بالمعروف.   

 طريقة البلاغ عن المتسولين الالكترونيين

وفي حديث مع شرطي لم يشأ إظهار اسمه  ذكر فيها أن من أكثر أساليب التسول الإلكتروني شيوعًا هي الرسائل النصية،والدوافع تختلف من شخص لآخر لكن أكثرها انتشاراً حاجتهم للمال وسهولة الوصول له، وأخبر عن كيفية الإبلاغ عن حالات التسول الإلكتروني انها من اسهل الطرق وذلك عن طريق تطبيق كلنا أمن أو بالإتصال على 911 للتبليغ بشكل مباشر. 

وذكر أيضاً كيفية استقبال الشرطة لهذا النوع من الشكوى حيث أن هذه الاجراءات تبدأ باستقبال الشكوى وتوثيقها وتجميع المعلومات والأدلة المتعلقة بالحادثة كالرسائل أو مقاطع الفيديو أو الروابط لتحديد هوية المتسول، وأضاف أنه يمكن التحقق مما إذاكان طلبهم للمساعدة حقيقيًا أم احتياليًا من خلال علامات واضحة كعدم منطقية القصة أو غيرها من العلامات.و

تنتهي خطوات الشرطة في مواجهة هذه الظاهرة باتخاذ الاجراءات القانونية المناسبة ضدها، وتتراوح العقوبات التي يتم اخذها ضد من يمارس التسول الإلكتروني مابين سجن وغرامه إلى إبعاد ومصادرة الأموال، ويتم إتخاذ العقوبة على حسب الجُرم وسوابق المُفتعل. وأخبر أيضاً أنه ليس للشرطة تعاون مع شركات التواصل الاجتماعي لحذف الحسابات المزيفة ولكن عن طريق التعاون بين الشرطة وجهة الجرائم المعلوماتية يتم التنسيق في حال استلام بلاغات.

وأشار أخيراً أنه يجب علينا التحقق عند تقديم المساعدة للآخرين من خلال الدخول على حسابات المنشآت والبحث عنها والاستفسار منهم وتحدث عن منصة إحسان والتي تُعد أكبر منصة معروفة للتبرع فمن أراد أن يتصدق لوجه الله توجد فيها حالات كثيرة وتم التأكد من صحتها.  

العقوبات القانونية

في حديث مع المحامية والمستشارة القانونية حنين المحمدي كشفت عن العقوبات القانونية التي تطبق على من يمارس التسول الإلكتروني. "العقوبات تشمل غرامة مالية أو السجن وأحيانًا الترحيل لغير السعوديين"، قالت المحامية حنين بنت محمد. "كما أن من يروج للتسول الإلكتروني يعتبر مشاركًا بالجريمة وتنطبق عليه نفس العقوبات". 

آليات الاسترداد 

وتابعت المحمدي أن في حال قام أحد الأفراد بالتبرع إلكترونيًا ثم اكتشف لاحقًا أنه تعرض للخداع، يحق له استرداد أمواله. "الآليات القانونية المتاحة له هي رفع بلاغللجهات الأمنية مثل الشرطة أو مكافحة الجرائم المعلوماتية"، قالت المحمدي "إذا ثبت الاحتيال، يمكنه طلب استرداد أمواله ورفع قضية لتعويضه عن الضرر".  

التأثير على المجتمع

 وأضافت المحمدي ان التسول الإلكتروني له تأثير سلبي على المجتمع، حيث يؤدي إلى تدهور الثقة بين الأفراد والجمعيات الخيرية. "هذه الظاهرة تؤثر على مصداقية التبرعات الإلكترونية وثقة المجتمع بها.

 الجهود الحكومية 

اوضحت المحمدي الجهات الحكومية والأمنية تساهم في مكافحة ظاهرة التسول الإلكتروني من خلال مراقبة الحسابات المشبوهة وحجبها، التحقيق مع المحتالين،تنظيم حملات توعوية، وفرض شروط على التبرعات الإلكترونية لضمان موثوقيتها.

النصائح للأفراد 

ودعت المحمدي الى ضرورة أخذ الحيطة والحذر للتعامل مع ظاهرة التسول الإلكتروني، ويفضل الأفراد التأكد من إذا كانت الجهة التي تطلب التبرع مرخصة أولا، وتحقق من وجود أدلة تثبت صحة الحالة والتبرع للجمعيات الرسمية أكثر أمانًا من التبرع للأفراد غير المعروفين.  

وختاماً إن التسول الإلكتروني مشكلة تتطلب معالجة على المستوى الاجتماعي والمستوى القانوني فهو ليس مجرد ظاهرة عابرة، بجانب أن التعاطف الغير مدروس سيسهم إلى تفاقمها، ولذلك يجب نشر الوعي الرقمي وتعزيز ثقافة العطاء، وللمجتمع دور كبير في توجيه الأفراد نحو طرق الكسب المشروعة لتحافظ على كرامة الإنسان واستقلاليته، وتحقيق التوازن عند المتبرعين بين الرحمة والحذر ليصل الدعم إلى المستحقين الحقيقيين دون استغلال أو بخل.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة