لم تعد منصات التواصل مجرد مساحة افتراضية لتبادل الأخبار والآراء، بل أصبحت ساحة يتشكلفيها الوعي الجمعي، وتتحرك فيها المشاعر بسرعة البرق في لحظة واحدة، فقد يتحول منشوربسيط إلى موجة تعاطف تجتاح الجميع، وقد يُحدث مقطع مصور فارقًا في حياة شخص محتاج،لكن في زخم هذا التدفق العاطفي، لم يعد بالإمكان الوثوق بكل ما يُنشر، فكما أن هناك منيستحق المساعدة بصدق، هناك أيضًا من يتقن استغلال القلوب الرحيمة، ويحترف صناعةالمآسي لكسب التعاطف والمال. وبين الدعم الحقيقي والاستغلال، يظل المجتمع هو الحكم، لكنهبحاجة إلى وعي يضبط إيقاع العاطفة، حتى لا يقع في فخ الاستدراج العاطفي.
ففي السنوات الأخيرة، تضاعفت القصص التي تبدأ بنداء استغاثة وتنتهي باكتشاف احتيالمدروس من خلال منشورات مؤثرة، وصور لأطفال مرضى، وحكايات تُروى بصوت يملؤه الحزن،كلها أدوات تُستخدم لجر المشاعر نحو التعاطف الأعمى، حيث يندفع الناس بدافع الفطرةالإنسانية نحو المساعدة، دون التوقف لحظة للتساؤل: هل هذه القصة حقيقية؟ هل هذاالشخص بحاجة فعلًا؟ أم أن المشهد بأكمله ليس إلا حبكة متقنة تستهدف القلوب قبل الجيوب؟وحين تنكشف الحقيقة بعد فوات الأوان، لا يكون الضرر ماديًا فقط، بل يتعداه إلى اهتزاز الثقة،حيث يبدأ الشك يتسلل حتى إلى القضايا الحقيقية، ويصبح المحتاج الفعلي ضحية أخرى لهذاالتلاعب.
وما يزيد المشهد تعقيدًا هو دخول المؤثرين على هذا الخط، فبعضهم بحسن نية، وبعضهممدفوعًا بحسابات أخرى، فحين يقرر أحدهم تسليط الضوء على قضية إنسانية، يمكن لذلك أنيُحدث فرقًا حقيقيًا، لكن ماذا لو كان الهدف مجرد جذب المشاهدات وزيادة التفاعل؟ ماذا لوكانت بعض القصص التي تُروّج عبر المنصات ليست سوى محتوى جاذب يتلاعب بالمشاعرلتحقيق مكاسب شخصية؟ هنا تصبح العاطفة سلاحًا بيد من يجيد توجيهها، وحين يفقد المجتمعقدرته على التمييز، يصبح كل شيء قابلًا للاستغلال، حتى أبسط القيم الإنسانية.
لهذا، لم يعد الوعي الرقمي ترفًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر. في كل مرة نواجه فيها قصةمؤثرة، علينا أن نتوقف قليلًا، نبحث، نتحقق، ونسأل الأسئلة الصحيحة، وهل هناك مصدر موثوقيؤكد صحة هذه القصة؟ هل تم التحقق من الحالة عبر جهات معتمدة؟ هل التبرعات تُجمع عبرقنوات رسمية أم بطرق مجهولة؟ وحده التفكير النقدي هو ما يحمي التعاطف من أن يتحول إلىفريسة سهلة لمن يجيدون التلاعب بالعواطف.
فالمجتمع الواعي لا يعني أنه مجتمع بلا رحمة، بل يعني أنه مجتمع لا يسمح بأن تكون الرحمة بابًاللاستغلال، ولا شيء أكثر قيمة من أن تمتد يد المساعدة إلى من يستحقها فعلًا، لكن الأهم أنتصل تلك اليد إلى المكان الصحيح، وليست المشكلة في أن نبكي على مأساة، بل في أن نمنحدموعنا لمن يتخذها وسيلة لتحقيق غايته ، فبين الدعم الحقيقي والاستغلال، هناك خيط رفيع لايراه إلا من يملك وعيًا يحمي قلبه كما يحمي عقله.